يوسف زيدان
71
إعادة اكتشاف ابن نفيس
مرت علينا فيما سبق عبارة العلاء ( ابن النفيس ) المشهورة ، التي يقول فيها : لو لم أعلم أن تصانيفى تبقى بعدى عشرة آلاف سنة ، ما وضعتها . . وهي العبارة التي تفوح منها رائحة فتوّة علمية أشفق منها ابن فضل العمرى ، فعقّب عليها بقوله : والعهدة في ذلك على من نقله ! وليس بالمستغرب عندنا أن يتفوّه الإمام علاء الدين القرشي بعبارة كتلك ، فقد وجدناه - فيما كتب - شديد الاعتداد بنفسه وبأعماله ، وليس أشد دلالة على هذا الاعتداد من إقدامه على تأليف كتاب واحد يقع في ثلاثمائة مجلد ! مما يعكس طموحا علميّا غير محدود ، وثقة بالذات لا آخر لها . ويبدو من عبارة علاء الدين ( ابن النفيس ) أنه كان يحسن الظن بالأجيال التي ستتلوه . . فقد اعتقد أنهم سيكملون دوره ، ويعكفون على أعماله ، بحيث تظل هذه الأعمال - من بعده - آلاف السنين . . لكن الأمر صار على غير ما ظنّه الرجل ! وانطبق على مؤلفاته ما ينسحب على التراث العربي في عمومه ؛ إذ ضاع منه مع الزمن ما ضاع ، ثم تشتّتت البقية الباقية ، وتوزّعت أصولها الخطية بين بلدان العالم ، ولم ينشر حتى اليوم سوى نسبة ضئيلة من جملة التراث المخطوط ؛ ناهيك عن المفقود من التراث مما لم نعثر على أصول خطية له . العلاء ( ابن النفيس ) إذن يمثل ورقة واحدة من أوراق ملفّ ضخم ؛ عنوانه الافتراضى : التراث العربىّ المجهول « 1 » . . وهو ملفّ يشتمل على العديد من الشخصيات والقضايا والجوانب التراثية التي لا نكاد نعرف عنها اليوم شيئا ؛ بل
--> ( 1 ) التراث المجهول : عنوان واحد من كتبنا المنشورة مؤخّرا . . عرضت فيه لطائفة من أمهات الكتب العربية المخطوطة ، واحتوت مقدمة الكتاب على جملة أسانيد وشواهد تثبت أن تراثنا في جملته لم يزل مجهولا .